اخبار

تصريحات كامل إدريس تكشف ملامح خطة البرهان الانتخابية وتثير جدلًا واسعًا

متابعات السودان بلس

تصريحات كامل إدريس تكشف ملامح خطة البرهان الانتخابية وتثير جدلًا واسعًا

متابعات _ السودان بلس
في بلد يعيش واحدة من أكثر لحظاته السياسية هشاشة منذ عقود، جاءت تصريحات رئيس وزراء كامل إدريس هذا الأسبوع لتعيد فتح النقاش حول نوايا قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، بعدما بدت أقرب إلى تأكيد علني لخطة انتخابية كانت قد أثارت جدلًا واسعًا منذ الكشف عنها، وتقوم على تنظيم انتخابات في ظل الحرب، بما يمنح السلطة القائمة غطاءً دستوريًا جديدًا دون معالجة جذور الأزمة أو إنهاء النزاع الذي شرد الملايين. وتكشف هذه التصريحات، التي جاءت في سياق حديث عن “انتخابات نزيهة وحرة”، عن فجوة متزايدة بين الخطاب الرسمي والواقع الإنساني والسياسي الذي يعيشه السودانيون.

وتستند هذه القراءة إلى ما نشرته صحيفة ديسمبر في عددها الصادر في 9 أبريل 2026، والتي تحدثت عن خطة متكاملة للبرهان تقوم على قبول هدنة إنسانية مؤقتة، ثم تعطيل العملية السياسية، واستغلال حالة “اللا سلم واللا حرب” لتعديل الوثيقة الدستورية واعتماد نظام رئاسي، قبل تنظيم انتخابات في مناطق سيطرة الجيش تنتهي بفوزه بمنصب رئيس الجمهورية. وعندما صرّح كامل إدريس بأن حكومته تسعى إلى “حوار سياسي شامل قبل الوصول إلى انتخابات نزيهة مراقبة دوليًا وإقليميًا ومحليًا”، بدا أن التصريح، رغم لغته التصالحية، يتقاطع في جوهره مع ما ورد في تقرير الصحيفة، إذ ينتهي كلا المسارين إلى انتخابات تُجرى في ظل سلطة الأمر الواقع.

ويقول إدريس إن حكومته ستعمل على “تهيئة مناخ الحوار” عبر تسهيل عودة المعارضين من الخارج، مؤكدًا أن العملية السياسية “لن تقصي أحدًا”. غير أن هذا الطرح، الذي يبدو في ظاهره شاملًا، يتجاهل واقعًا أكثر تعقيدًا، يتمثل في اتساع رقعة الحرب، وانهيار الخدمات الأساسية، وتشتت ملايين السودانيين بين النزوح واللجوء، وهي ظروف تجعل من أي حديث عن انتخابات “حرة” أقرب إلى تصور نظري لا يجد ما يسنده على الأرض.

وقد عبّر عمر الدقير، رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي في تحالف “صمود”، عن هذا التناقض بوضوح، حين كتب تعليقًا لافتًا وصف فيه تصريحات إدريس بأنها “منفصلة عن الواقع”، مشيرًا إلى أن الحديث عن انتخابات في ظل الحرب “تحت ظلال السيوف” يتجاهل الكارثة الإنسانية ويقفز فوق شروط الحد الأدنى لأي عملية ديمقراطية. وأضاف أن استعادة الشرعية المفقودة منذ انقلاب 25 أكتوبر لا يمكن أن تتم عبر انتخابات متعجلة، بل عبر توافق على دستور انتقالي وسلطة مدنية تشرف على عملية سياسية شاملة تنتهي بانتخابات عامة.

وتصاعدت الانتقادات بعد أن قال إدريس إن مؤتمر برلين “لا يعني السودان في شيء”، رغم أن مخرجاته ركزت على دعم المساعدات الإنسانية، ووقف الحرب، وحماية المدنيين، ومحاربة خطاب الكراهية، وإطلاق عملية سياسية تعالج جذور الأزمة. وطرح الدقير سؤالًا مباشرًا: “إذا كانت هذه المخرجات لا تعني السلطة التي يُعبّر عنها إدريس، فما الذي يعنيها؟ وما هي أجندة الحوار الذي تدعو إليه؟” وهو سؤال يعكس قلقًا متزايدًا من أن السلطة الحالية تسعى إلى مسار سياسي موازٍ يتجاوز المبادرات الدولية والإقليمية.

ويشير الدقير إلى أن الطريق الوحيد للخروج من الأزمة يبدأ بإقرار جميع الأطراف بعدم جدوى استمرار الحرب، واعتماد مسار سياسي يرتبط بهدنة تؤدي إلى وقف إطلاق النار، وتسهيل وصول المساعدات، ثم عملية سياسية تقود إلى التعافي والتوافق. ويختتم بالقول إن ما عدا ذلك “لا يعدو كونه زبدًا يذهب جفاءً”، في إشارة إلى أن أي مسار يتجاوز هذه الخطوات لن يحقق استقرارًا حقيقيًا.

وتكشف هذه السجالات عن مأزق أعمق يواجه السودان اليوم: فبينما تسعى سلطة بورتسودان إلى تقديم نفسها كحكومة قادرة على إدارة انتقال سياسي، فإن الحرب المستمرة، وتراجع السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد، وتعدد المبادرات الدولية، تجعل من الصعب تحويل الخطط الانتخابية إلى واقع. وفي ظل هذا المشهد، تبدو تصريحات إدريس أقل قدرة على طمأنة السودانيين، وأكثر دلالة على صراع طويل حول الشرعية، في بلد يبحث عن مخرج من حرب أنهكت مجتمعه وأضعفت مؤسساته

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى