اخبار

الزبير محمد صالح… الغائب الذي لو حضر لقال هذا عن الحرب

متابعات _ السودان الان بلس

الزبير محمد صالح… الغائب الذي لو حضر لقال هذا عن الحرب

متابعات _ السودان الان بلس
بعد ما يقارب ثلاثة عقود على رحيل الفريق الزبير محمد صالح، لا يزال اسمه يعود إلى الواجهة كلما دخل السودان نفق الأزمات الوجودية، لا بوصفه ذكرى عاطفية، بل باعتباره نموذجًا سياسيًا وعسكريًا ظلّ عصيًّا على الاستهلاك. فالرجل لم يكن مجرد نائب أول لرئيس الجمهورية، بل كان – في نظر قطاع واسع من السودانيين – تجسيدًا لفكرة الدولة حين تكون أسبق من السلطة، وللمسؤولية حين تتقدم على الامتياز.
ظل الزبير حاضرًا في الوجدان العام لأنه خرج من المشهد قبل أن تلتهم السياسة ما تبقى من هيبة الدولة، وقبل أن يتحول السلاح من أداة سيادية إلى وسيلة صراع داخلي. ولذلك، كلما انفجرت الأسئلة الكبرى: من يحكم؟ ومن يقاتل؟ ولأجل من تُدمر المدن؟ يعود اسمه كمرآة تُقاس بها الانحرافات.
لو كان الزبير بيننا اليوم، في ظل هذه الحرب التي التهمت الجغرافيا والإنسان، لما انجرف إلى الخطاب التعبوي السهل، ولا إلى ثنائية التخوين والتقديس. كان رجل وقائع، لا أسير شعارات. كان سيرى الحرب كما هي: صراعًا داخل مركز الدولة، لا معركة تحرير وطنية ولا حرب كرامة بالمعنى الحقيقي. فحين تُقصف المدن، ويُهجَّر المدنيون، وتُستنزف المؤسسة العسكرية نفسها، فإن الخاسر الأول ليس طرفًا سياسيًا بعينه، بل الدولة ذاتها.
أحد أهم ملامح تجربة الزبير محمد صالح كان انحيازه الصارم للمؤسسة لا للأفراد. لم يُعرف عنه الارتباط بـ“شِلَل” النفوذ، ولا المناورة داخل مراكز القوى. كان يرى أن السلاح لا يحتمل التعدد، وأن تسييس البندقية هو أول طريق انهيار الدولة. لذلك، فإن موقفه المتوقَّع اليوم كان سيكون حاسمًا ضد تعدد الجيوش وشرعنة الفوضى، وداعمًا لجيش وطني مهني واحد، وسلطة واحدة، مع شرعية واضحة للقوات المسلحة بوصفها عماد الدولة.
وعندما تُفرض على الدولة المنازلة، لم يكن الزبير من أولئك الذين يكتفون بالبيانات. كان سيكون في الميدان، يحرك الجيوش، يفتح المعسكرات، يواجه التحدي الوجودي من موقع القائد لا من خلف المكاتب. لكنه في الوقت ذاته لم يكن يؤمن بمنطق “توازن الرعب”، ولا بإدارة الحروب عبر الأجندات الخارجية. كان سيحمّل أي طرف إقليمي أو دولي – بما في ذلك الإمارات إن ثبت تورطها – مسؤولية ما يلحق بالسودان، بوضوح لا لبس فيه. ومع ذلك، لم يكن ليغلق باب الوطن في وجه من حمل السلاح؛ بل كان سيخاطبه باعتباره مغرَّرًا به، لا عدوًا أبديًا، ويقول له إن السودان لا يستحق أن يُقاتَل فيه لصالح مشاريع الآخرين.
وعلى عكس الصورة النمطية عن العسكريين، لم يكن الزبير معاديًا للسياسة. بل كان يدرك أن فشل العسكر سياسيًا هو ما يفتح الباب أمام الحروب، ويضعهم في تناقضات الصراع الدولي والإقليمي. لذلك، كان سيدفع بقوة نحو تسوية وطنية حقيقية، لا تسوية محاصصات، متجنبًا الكلفة العالية للحرب، لأن كلفة السلام – في حسابه – أقل دائمًا من كلفة انهيار الدولة.
كان للزبير موقف أخلاقي واضح من السلطة والدم. لم يرَ الحكم غنيمة، بل أمانة ثقيلة. وفي هذه الحرب، ومع هذا العدد المهول من الضحايا والنازحين، كان صوته سيكون قاسيًا وواضحًا:
لا أحد يملك حق إحراق البلد ليحكم من؟
وكان سيعتبر أن أي سلطة تُبنى على أنقاض المدن وجثث المدنيين سلطة فاقدة للشرعية، مهما رفعت من شعارات.
وربما كان سيسعى، بكل ثقله، إلى إطلاق حراك داخلي جاد للسلام، لا يستند إلى الضغوط الخارجية وحدها، بل إلى الإرادة الوطنية. وربما وجد المجلس الأعلى للسلام – إن وُجد بإرادة حقيقية – نصيرًا قويًا فيه. وبما أن للحرب كلفتها المجتمعية العميقة، كان سيدعو بلا تردد إلى حوار مجتمعي واسع، لا من موقع الخجل أو المناورة، بل من موقع القوة والمسؤولية، لإعادة ترميم النسيج الاجتماعي الذي تمزق.
لهذا يعود الزبير محمد صالح إلى الذاكرة اليوم. لا بوصفه منقذًا متخيَّلًا، ولا لأن الماضي كان مثاليًا، بل لأنه يرمز إلى لحظة كان يمكن فيها للسلطة أن تُقيَّد بالمسؤولية، وللعسكر أن يكونوا حماة للدولة لا أطرافًا في صراعها، وللوطن أن يعلو صوته على ضجيج السلاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى