اخبار

وكأن البلاد قد فقدت صوابها منذ ذهابي…

متابعات _ السودان الان بلس

وكأن البلاد قد فقدت صوابها منذ ذهابي…

متابعات _ السودان الان بلس
وكأن البلاد قد فقدت صوابها منذ ذهابي، لا لأنني كنت مركز اتزانها، بل لأن الغياب يكشف ما كانت الأيام تخفيه تحت ثقل العادة والخوف. منذ رحلت، صار الصباح يأتي مثقلاً، كأنه يؤدي واجباً لا رغبة فيه، وصار المساء أطول من احتماله، ممتلئاً بأخبار متشابهة ووجوه مرهقة وقلوب تبحث عن أي سبب للاطمئنان فلا تجده.
لم تنهَر البلاد فجأة، لكنها تعبت من التماسك، تعبت من ادعاء القوة ومن تكرار الوعود نفسها عن غدٍ قريب لا يصل. الوقت نفسه صار خصماً، وكل يوم يمر يترك خلفه خسارة جديدة، إما في الأرواح أو في الأحلام أو في القدرة على الاحتمال.
الناس الذين كنت أعرفهم تغيّروا، بعضهم شاخ قبل أوانه، وبعضهم تعلّم الضحك ليخفي خوفه، وآخرون اختفوا من المشهد تماماً، كأنهم ذابوا في زحام الفقد أو اختاروا الغياب هرباً من ثقل الواقع. الحديث عن الوطن لم يعد نشيداً يردده الجميع، بل صار سؤالاً موجعاً يُقال بصوت منخفض: هل نشتاق للمكان لأنه وطن، أم لأننا كنّا فيه أقل انكساراً مما نحن عليه الآن؟
منذ ذهابي، صار الفقد أمراً مألوفاً، وصار الصبر عملاً يومياً بلا مقابل، وصارت النجاة بحد ذاتها إنجازاً يحتفل به بصمت. ومع ذلك، وبرغم كل هذا الإرهاق، ما تزال البلاد تشبه أماً متعبة، لا تعرف كيف تحمي أبناءها ولا كيف توقف نزيفها، لكنها ترفض أن تتخلى عنهم. كأنها تقول، دون كلام، إنها لم تفقد صوابها، لكنها موجوعة أكثر مما تستطيع أن تحتمل أو تشرح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى