لماذا يرفض قطاع واسع من السودانيين تسليم عمر البشير للمحكمة الجنائية الدولية؟
متابعات _ السودان الان بلس

لماذا يرفض قطاع واسع من السودانيين تسليم عمر البشير للمحكمة الجنائية الدولية؟
متابعات السودان الان بلس
قضية تسليم الرئيس السوداني السابق عمر حسن أحمد البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية تظل من أعقد وأكثر الملفات إثارة للجدل في الساحة السياسية السودانية، ليس فقط لارتباطها بشخصية حكمت البلاد لثلاثة عقود، وإنما لأنها تمس جوهر أسئلة السيادة، والعدالة، والذاكرة الجمعية، والانقسام العميق داخل المجتمع السوداني.
يمكن القول إن قطاعًا كبيرًا من الشعب السوداني لن يقبل بتسليم البشير للجنائية الدولية، لكن هذا الرفض لا ينبع من سبب واحد، بل من خليط معقد من الاعتبارات السياسية والتاريخية والاجتماعية والنفسية.
أولًا، مسألة السيادة الوطنية
يرى كثير من السودانيين أن تسليم رئيس سوداني سابق لمحكمة خارج البلاد يُعد انتقاصًا صريحًا من سيادة الدولة، حتى وإن كان ذلك الرئيس مختلفًا حوله. هذا الرأي لا يقتصر على أنصار النظام السابق، بل يشمل قوميين ومستقلين يرون أن العدالة يجب أن تُمارس داخل الوطن، لا خارجه، وأن السودان قادر – من حيث المبدأ – على محاكمة أبنائه بنفسه إذا توفرت الإرادة السياسية والقضائية.
ثانيًا، الشكوك حول المحكمة الجنائية الدولية
هناك قناعة راسخة لدى شريحة واسعة من السودانيين بأن المحكمة الجنائية الدولية ليست مؤسسة محايدة بالكامل، بل تخضع أحيانًا لحسابات سياسية وانتقائية، بدليل أن معظم القادة الذين طالتهم قراراتها ينتمون إلى دول أفريقية، في حين لم يُحاسب قادة دول كبرى على جرائم موثقة. هذا الإحساس بالازدواجية جعل المحكمة في نظر كثيرين رمزًا لـ”عدالة المنتصر” لا عدالة القانون.
ثالثًا، الإرث السياسي والاجتماعي لعمر البشير
رغم سقوط نظامه، لا يمكن إنكار أن عمر البشير لا يزال يمتلك قاعدة اجتماعية وتنظيمية، خاصة وسط الإسلاميين وبعض فئات الريف والولايات. هذه القاعدة ترى فيه رئيسًا أخطأ وأصاب، لكنها ترفض أن يُسلم إلى جهة خارجية، وتعتبر ذلك إهانة لتاريخ الدولة السودانية أكثر من كونه محاسبة لشخص.
رابعًا، أولوية القضايا الراهنة
في ظل الحرب والانقسام والانهيار الاقتصادي وتفكك مؤسسات الدولة، يرى كثير من السودانيين أن فتح ملف تسليم البشير الآن يمثل تشتيتًا للانتباه عن القضايا الأكثر إلحاحًا: وقف الحرب، حماية المدنيين، إعادة بناء الدولة، وتحقيق الاستقرار. ويعتقدون أن استخدام ملف الجنائية يتم أحيانًا كورقة سياسية لا كمسار حقيقي للعدالة.
خامسًا، العدالة الوطنية مقابل العدالة الدولية
حتى بين من يطالبون بمحاكمة البشير، هناك اتجاه واضح يفضل محاكمته داخل السودان أمام قضاء وطني مستقل، يتيح للضحايا سماع الحقيقة، ويمنح المجتمع فرصة للمصالحة والاعتراف. فالتسليم للجنائية، في نظرهم، قد يُشبع مطلبًا دوليًا لكنه لا يحقق عدالة شعورية داخلية ولا يساهم في رتق النسيج الاجتماعي.
سادسًا، الانقسام الشعبي الحقيقي
في المقابل، لا يمكن إنكار وجود شريحة من السودانيين – خاصة من ضحايا دارفور والحركات المسلحة وقوى مدنية – ترى أن الجنائية الدولية هي الطريق الوحيد للعدالة، بسبب ضعف القضاء المحلي وتسييسه عبر العقود. لكن هذه الشريحة، رغم مشروعيتها الأخلاقية، لا تمثل إجماعًا وطنيًا، بل طرفًا من معادلة منقسمة.
خلاصة القول، إن رفض تسليم عمر البشير للمحكمة الجنائية الدولية ليس دفاعًا مطلقًا عن شخصه بقدر ما هو تعبير عن أزمة ثقة عميقة في النظام الدولي، وخوف من المساس بالسيادة، وقلق من توظيف العدالة سياسيًا. ومن دون بناء دولة قانون حقيقية وقضاء مستقل، سيظل هذا الملف عالقًا بين مطرقة الضغوط الدولية وسندان الرفض الشعبي، بلا حل حاسم يرضي جميع السودانيين.













