اخبار

السودان بين الحكم المدني والعسكري: أيهما يصلح لإدارة بلد متعدد ومعقد؟

متابعات _ السودان الان بلس

السودان بين الحكم المدني والعسكري: أيهما يصلح لإدارة بلد متعدد ومعقد؟

متابعات _ السودان الان بلس
السودان بلد شاسع المساحة، شديد التنوع الاجتماعي والثقافي، وتكوينه التاريخي والسياسي يجعل مسألة الحكم فيه أكثر تعقيدًا من مجرد المفاضلة بين الحكم المدني أو العسكري. التجربة السودانية منذ الاستقلال توضح أن المشكلة لم تكن في الشعارات بقدر ما كانت في طبيعة الدولة نفسها وكيف تُدار.
الحكم العسكري غالبًا ما يُطرح باعتباره حلًا سريعًا في لحظات الفوضى والحرب، ويُنظر إليه كوسيلة لفرض الأمن وتوحيد القرار. لكن الواقع أثبت أن هذا النوع من الحكم قد ينجح في خلق هدوء مؤقت، إلا أنه يعجز عن معالجة جذور الأزمات. الاعتماد على القوة بدل السياسة يؤدي إلى تهميش قطاعات واسعة من المجتمع، ويغلق المجال العام، ويحول الخلافات السياسية إلى صراعات مسلحة. كما أن غياب الشرعية الشعبية يجعل أي أزمة اقتصادية أو اجتماعية تتحول سريعًا إلى تهديد وجودي للنظام نفسه، فيدخل البلد في دائرة الانقلابات وعدم الاستقرار.
في المقابل، الحكم المدني يملك القدرة النظرية على استيعاب التنوع السوداني وإدارته عبر الحوار والمؤسسات، لا عبر السلاح. الشرعية التي يمنحها الانتخاب والمشاركة الشعبية تخلق أساسًا أكثر صلابة للاستقرار، وتفتح المجال للمحاسبة والتداول السلمي للسلطة. كما أن الحكم المدني يتيح تبني نظم فيدرالية ولا مركزية حقيقية تساعد الأقاليم على إدارة شؤونها والمشاركة في القرار الوطني. لكن فشل التجارب المدنية السابقة جعل كثيرين يشككون في جدواها، وهذا الفشل يعود في جانب كبير منه إلى ضعف الأحزاب، والانقسامات الداخلية، وغياب الرؤية الاقتصادية، وسوء إدارة العلاقة مع المؤسسة العسكرية.
المشكلة إذن ليست في كون الحكم مدنيًا أو عسكريًا بحد ذاته، بل في شكل الدولة وقدرتها على بناء مؤسسات قوية. السودان لا يحتمل حكمًا عسكريًا دائمًا، لأنه يعمق الصراعات ويؤخر بناء الدولة، ولا يحتمل أيضًا حكمًا مدنيًا هشًا بلا أدوات قوة أو مشروع وطني واضح. ما يصلح لحكم السودان هو دولة مدنية قوية تستند إلى دستور متوافق عليه، وحكومة منتخبة، ونظام حكم يراعي التنوع الجغرافي والاجتماعي، مع وجود جيش مهني موحد يؤدي دوره في حماية البلاد لا في إدارة السياسة.
الاستقرار الحقيقي في السودان لن يأتي بالقوة وحدها ولا بالشعارات الديمقراطية وحدها، بل ببناء دولة قانون، ومؤسسات، وتوازن واضح بين السلطة المدنية والقدرة العسكرية. دون ذلك ستظل البلاد تدور في حلقة مفرغة، تتبدل فيها الوجوه والأنظمة، بينما تبقى الأزمة كما هي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى