
محمد يوسف كبر… حضور سياسي غائب وأسئلة مفتوحة حول الدور القادم
متابعات _ السودان الان بلس
محمد يوسف كبر يُعد واحدًا من الأسماء التي ارتبطت بقوة بتجربة الحكم الإقليمي في السودان، لا سيما في إقليم دارفور، حيث شغل منصب والي ولاية شمال دارفور لسنوات طويلة، ثم عُيّن لاحقًا واليًا لولاية الخرطوم. خلال تلك المسيرة، تَشكّل حوله توصيف «رجل دولة» لدى أنصاره وخصومه على السواء، ليس بالضرورة اتفاقًا على كل سياساته، وإنما اعترافًا بقدرته على إدارة الملفات المعقدة، والعمل داخل منظومة دولة مثقلة بالأزمات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
ينتمي كبر إلى جيل من الإداريين والسياسيين الذين برزوا في فترة كانت فيها الدولة السودانية تواجه ضغوطًا داخلية وخارجية غير مسبوقة، خصوصًا في دارفور. توليه منصب والي شمال دارفور جاء في ذروة النزاع المسلح، وهي مرحلة اتسمت بتداخل الملفين الأمني والإنساني، وبتعقيدات العلاقة مع المجتمع الدولي والمنظمات الأممية. في تلك الظروف، لعب كبر دورًا محوريًا في إدارة التوازن الصعب بين متطلبات الأمن، وضغوط العمل الإنساني، والحساسيات القبلية والاجتماعية، وهو ما أكسبه خبرة عملية واسعة في التعامل مع الأزمات المركبة.
لم يكن كبر سياسيًا خطابيًا يعتمد على الظهور الإعلامي المكثف، بل عُرف بأسلوب إداري مباشر، يميل إلى العمل التنفيذي والقرارات الميدانية. هذا الأسلوب جعله محل انتقادات أحيانًا، خاصة من قِبل القوى المعارضة أو الناشطين الحقوقيين، لكنه في الوقت نفسه عزز صورته لدى أنصاره باعتباره مسؤولًا «حازمًا» لا يتردد في اتخاذ قرارات صعبة في ظروف استثنائية. وخلال فترة عمله في دارفور، ظل اسمه حاضرًا في ملفات المصالحات القبلية، وإدارة النزوح، والتعامل مع الأزمات الأمنية المتكررة.
انتقاله لاحقًا إلى ولاية الخرطوم شكّل محطة مختلفة في مسيرته، إذ واجه تحديات من نوع آخر تتعلق بإدارة العاصمة، وتعقيدات الخدمات، والتوسع العمراني، والضغط السكاني، فضلًا عن الحراك السياسي والاجتماعي المتسارع. هذا الانتقال عكس ثقة مركز القرار فيه آنذاك، باعتباره إداريًا قادرًا على التعامل مع ولايات ذات طبيعة خاصة، سواء كانت مناطق نزاع أو عاصمة تعج بالتناقضات.
بعد التغيرات السياسية الكبيرة التي شهدها السودان، وتحديدًا بعد سقوط نظام الإنقاذ، ابتعد محمد يوسف كبر عن المشهد التنفيذي المباشر. ومع اندلاع الحرب الأخيرة وما صاحبها من انهيار واسع في مؤسسات الدولة، برز اسمه مجددًا في سياق الحديث عن القيادات السابقة التي غادرت البلاد. وجوده حاليًا في مصر يُنظر إليه في إطار أوسع، لا يقتصر على كونه «إقامة خارج السودان»، بل باعتباره جزءًا من واقع فرضته الظروف الأمنية والسياسية على كثير من القيادات والشخصيات العامة.
في القاهرة، لا يُعرف عن كبر انخراطه العلني في نشاط سياسي منظم أو ظهور إعلامي مكثف، ما يعزز الانطباع بأنه يفضل المراقبة من بعيد، أو الاكتفاء بدور غير معلن، سواء عبر المشورة أو التواصل مع دوائر محدودة. هذا الغياب عن الأضواء لا يعني بالضرورة خروجًا نهائيًا من المشهد، فالتجربة السودانية أثبتت مرارًا أن شخصيات كثيرة تعود للواجهة في لحظات التحولات الكبرى، مستندة إلى رصيدها السابق وعلاقاتها المتشعبة.
وصف محمد يوسف كبر بأنه «رجل دولة» يرتبط أساسًا بتجربته الطويلة في إدارة شؤون الحكم، وقدرته على العمل داخل مؤسسات الدولة في أوقات الشدة، وليس بكونه شخصية توافقية أو محل إجماع. فهو، كغيره من رموز تلك المرحلة، يحمل إرثًا معقدًا، فيه ما يراه البعض نجاحًا في حفظ الحد الأدنى من الاستقرار، وفيه ما يراه آخرون إخفاقًا أو ارتباطًا بنظام لم يعد قائمًا.
في المحصلة، وجود محمد يوسف كبر في مصر اليوم يعكس مرحلة انتقالية في مسيرته، ومرحلة أكثر تعقيدًا في تاريخ السودان نفسه. هو حاضر بالاسم والتجربة، وغائب بالفعل عن مسرح القرار، بين ذاكرة حكم مضت، وواقع سوداني لم تتضح ملامحه بعد، حيث تبقى عودة أي «رجل دولة» مرهونة بإعادة بناء الدولة أولًا، وبحسم الأسئلة الكبرى حول المستقبل السياسي للبلاد.













