المؤتمر الوطني يطرح رؤيته لمستقبل السودان ويدعو إلى حكومة مدنية وحوار شامل وانتخابات حرة
متابعات السودان بلس

المؤتمر الوطني يطرح رؤيته لمستقبل السودان ويدعو إلى حكومة مدنية وحوار شامل وانتخابات حرة
متابعات – السودان بلس
طرح المؤتمر الوطني رؤية سياسية بشأن المرحلة المقبلة في السودان، متناولًا عددًا من القضايا التي يرى أنها تقف وراء الأزمات المتراكمة التي شهدتها البلاد، ومقدمًا مجموعة من المقترحات المتعلقة بإدارة المرحلة الانتقالية، ومعالجة آثار الحرب، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وصولًا إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة.
وجاء طرح الحزب في وقت يواجه فيه السودان تحديات سياسية وأمنية واقتصادية كبيرة، في ظل استمرار تداعيات الحرب وما ترتب عليها من تدهور في الخدمات والبنية التحتية، إلى جانب اتساع الاحتياجات الإنسانية وصعوبة الأوضاع المعيشية في عدد من المناطق.
ويركز المؤتمر الوطني في رؤيته على ضرورة عدم الاكتفاء بمعالجة النتائج المباشرة للأزمة، وإنما البحث في الأسباب التاريخية والسياسية والاقتصادية التي ساهمت، بحسب طرحه، في إنتاج حالة عدم الاستقرار التي ظلت ترافق الدولة السودانية خلال فترات مختلفة.
جذور الأزمة السودانية
حدد المؤتمر الوطني مجموعة من العوامل التي يرى أنها أسهمت في تعقيد الأزمة السودانية، من بينها الإرث الاستعماري والمركزية واختلال توزيع التنمية والاعتماد على الاقتصاد الريعي.
ويرى الحزب أن هذه العوامل انعكست بصورة مباشرة على طبيعة الدولة وعلاقاتها الداخلية، وأسهمت في اتساع الفجوات بين المركز والأقاليم، وظهور مشكلات مرتبطة بالتهميش وضعف التنمية المتوازنة.
كما أشار إلى عسكرة الحياة السياسية وتكرار الانقلابات باعتبارهما من أبرز الإشكالات التي أثرت على تطور الممارسة السياسية والديمقراطية في السودان.
ويضيف الحزب إلى ذلك ما وصفه بـغياب مشروع وطني جامع وعقد اجتماعي يحظى بقبول واسع، معتبرًا أن استمرار الخلاف حول شكل الدولة ونظام الحكم والعلاقة بين مكوناتها يمثل أحد التحديات الأساسية أمام بناء استقرار سياسي مستدام.
وبحسب هذه الرؤية، فإن أي عملية سياسية مستقبلية تحتاج إلى التعامل مع هذه الملفات بصورة متكاملة، بدلًا من التركيز على ترتيبات سياسية مؤقتة لا تعالج الأسباب العميقة للأزمة.
حكومة مدنية للمرحلة الانتقالية
وفيما يتعلق بالمرحلة الانتقالية، اقترح المؤتمر الوطني تشكيل حكومة مدنية تضم كفاءات وطنية مستقلة وغير حزبية.
ويشترط الحزب، وفق الطرح، أن تتمتع هذه الحكومة بالشرعية والكفاءة والقدرة على اتخاذ القرارات، بما يمكنها من التعامل مع الملفات العاجلة التي تواجه البلاد، وعدم تحول المرحلة الانتقالية إلى فترة جديدة من الصراع السياسي أو تعطيل مؤسسات الدولة.
ويرى الحزب أن الحكومة الانتقالية المقترحة ينبغي أن تركز على عدد من الأولويات، يأتي في مقدمتها استعادة الأمن والاستقرار، باعتبارهما شرطين أساسيين لعودة الحياة الطبيعية وإعادة تشغيل المؤسسات والخدمات.
كما تشمل مهام الحكومة، بحسب المقترح، تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين، والعمل على توفير الخدمات الأساسية، ومعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تفاقمت نتيجة الحرب.
معالجة تداعيات الحرب
وتحتل معالجة آثار الحرب مساحة مهمة في التصور الذي طرحه المؤتمر الوطني، في ظل ما خلفه الصراع من خسائر بشرية ومادية واسعة، ونزوح للسكان، وتضرر قطاعات حيوية من الاقتصاد والخدمات.
ودعا الحزب إلى أن تكون معالجة تداعيات الحرب من بين الأولويات الرئيسية للحكومة الانتقالية، بما يشمل إعادة تأهيل القطاعات المتضررة والعمل على عودة النشاط الاقتصادي والخدمي بصورة تدريجية.
كما يركز الطرح على إعادة إعمار الخدمات والبنية التحتية، باعتبار أن استعادة المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء والطرق وغيرها من المرافق تمثل جزءًا أساسيًا من عملية التعافي الوطني.
وتتطلب عملية إعادة الإعمار، وفق التصور المطروح، جهودًا كبيرة وتعاونًا بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع الدولي، إلى جانب توفير بيئة أمنية وسياسية مستقرة تسمح بتنفيذ مشروعات طويلة المدى.
حوار وطني دون استثناء
وفي الجانب السياسي، طرح المؤتمر الوطني إجراء حوار وطني شامل يضم مختلف المكونات السودانية دون استثناء.
ويرى الحزب أن الحوار ينبغي ألا يقتصر على القوى السياسية التقليدية، وإنما يشمل مختلف المكونات المجتمعية والوطنية، بما يسمح بمناقشة القضايا الخلافية والوصول إلى تفاهمات بشأن مستقبل البلاد.
ويهدف الحوار، بحسب الرؤية، إلى وضع أساس سياسي جديد يقود إلى إقامة دولة تقوم على المواطنة والحرية والعدالة والمساواة.
ويعتبر الحزب أن التوافق حول هذه المبادئ يمكن أن يمثل قاعدة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن، وتعزيز الثقة في المؤسسات العامة، وفتح المجال أمام مشاركة سياسية أوسع.
نظام ديمقراطي ولا مركزي
كما دعا المؤتمر الوطني إلى إقامة نظام ديمقراطي تعددي ولا مركزي، معتبرًا أن النظام السياسي ينبغي أن يكون قادرًا على استيعاب التنوع السوداني الكبير.
ويربط الحزب بين اللامركزية ومعالجة قضايا التهميش، خاصة في المناطق التي ظلت تشكو من ضعف التنمية والخدمات مقارنة بالمركز.
وبحسب الطرح، فإن تعزيز صلاحيات الأقاليم والولايات وتمكينها من إدارة شؤونها يمكن أن يسهم في تقليص الفجوة بين المركز والأطراف، وتحقيق توزيع أكثر عدالة للموارد والتنمية.
وتُعد قضية المركزية وتوزيع السلطة والثروة من الملفات التي ظلت حاضرة في النقاش السياسي السوداني، خصوصًا في ظل النزاعات التي شهدتها مناطق مختلفة من البلاد خلال العقود الماضية.
مشروع وطني وعقد اجتماعي جديد
ويركز المؤتمر الوطني كذلك على ضرورة صياغة مشروع وطني جامع، إلى جانب بناء عقد اجتماعي يحظى بقبول أوسع بين السودانيين.
ويرى الحزب أن غياب التوافق حول شكل الدولة وأولوياتها السياسية والاقتصادية ساهم في استمرار الانقسامات والصراعات.
ومن هذا المنطلق، يطرح الحزب الحوار الوطني باعتباره وسيلة للوصول إلى تفاهمات حول القضايا الكبرى، بما في ذلك نظام الحكم، وتوزيع السلطات، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وطبيعة النظام الاقتصادي، وضمان الحقوق والحريات.
ويهدف هذا المسار، وفق الرؤية المطروحة، إلى الانتقال من إدارة الأزمات المتكررة إلى بناء مؤسسات قادرة على المحافظة على الاستقرار السياسي ومنع العودة إلى دوائر الانقلابات والصراعات.
موقف من التدخلات الأجنبية
وعلى صعيد العلاقات الخارجية، انتقد المؤتمر الوطني ما وصفه بـالتدخلات الأجنبية في الشأن السوداني، محذرًا من فرض ترتيبات أو حلول سياسية من خارج البلاد.
ويؤكد الحزب، بحسب طرحه، ضرورة أن تكون أي تسوية سياسية مرتبطة بإرادة السودانيين أنفسهم، وأن تقوم على حوار داخلي يشارك فيه أصحاب المصلحة داخل البلاد.
كما أبدى مخاوف من ظاهرة الاختراق الأمني والحروب بالوكالة، معتبرًا أن الصراع السوداني يمكن أن يصبح أكثر تعقيدًا إذا تحول إلى ساحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية.
ويرى الحزب أن الحفاظ على القرار الوطني والسيادة ينبغي أن يكونا من المبادئ الأساسية في أي عملية سياسية أو تفاوضية مستقبلية.
التعاون الإقليمي والقاري
وفي المقابل، دعا المؤتمر الوطني إلى دعم الاستقرار والأمن في الإقليم وتعزيز التعاون على المستوى القاري.
ويأتي ذلك في ظل موقع السودان الجغرافي وتأثره المباشر بالأوضاع في الدول المجاورة، الأمر الذي يجعل الاستقرار السوداني مرتبطًا بدرجة كبيرة بالاستقرار الإقليمي.
ويرى الحزب أن التعاون الأفريقي يمكن أن يلعب دورًا في دعم الاستقرار ومعالجة الأزمات العابرة للحدود، إلى جانب تعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الدول الأفريقية.
كما يطرح أهمية أن تكون للسودان علاقات خارجية تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني.
الانتخابات نهاية المرحلة الانتقالية
ويضع المؤتمر الوطني الانتخابات الحرة والنزيهة باعتبارها الهدف النهائي للمرحلة الانتقالية.
وبحسب التصور المطروح، فإن الوصول إلى الانتخابات يتطلب أولًا استعادة الأمن، ومعالجة آثار الحرب، وإعادة الخدمات والبنية التحتية، وتهيئة البيئة السياسية والقانونية التي تسمح بمشاركة المواطنين بصورة فعالة.
كما يتطلب ذلك، وفق الرؤية، وجود مؤسسات دولة قادرة على إدارة العملية الانتخابية وضمان نزاهتها، إلى جانب توفير بيئة سياسية تسمح لجميع القوى المؤهلة بالمشاركة.
ويرى الحزب أن الانتخابات ينبغي أن تكون نتاجًا لعملية انتقالية مستقرة، وليس مجرد خطوة شكلية في ظل استمرار الأزمات الأمنية والسياسية.
رؤية شاملة للمرحلة المقبلة
ويقدم المؤتمر الوطني من خلال طرحه مجموعة من المحاور التي تشمل الأمن، والاقتصاد، وإعادة الإعمار، والحوار السياسي، واللامركزية، والعلاقات الخارجية، والانتقال الديمقراطي.
ويؤكد الطرح أن استقرار السودان لا يمكن تحقيقه عبر معالجة ملف واحد بمعزل عن بقية الملفات، وإنما يتطلب معالجة متزامنة للأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ساهمت في الأزمة.
وفي هذا السياق، يبرز تشكيل حكومة مدنية من الكفاءات المستقلة كإحدى الركائز المقترحة لإدارة المرحلة الانتقالية، إلى جانب إطلاق حوار وطني شامل وإعادة بناء الخدمات ومؤسسات الدولة.
كما يركز الحزب على ضرورة معالجة قضايا التهميش والتنمية غير المتوازنة، باعتبارها من الملفات التي تحتاج إلى حلول طويلة المدى لضمان استقرار الدولة.
وفي الوقت ذاته، يشدد الطرح على رفض فرض حلول سياسية من الخارج، مع الدعوة إلى علاقات إقليمية وقارية تقوم على التعاون ودعم الاستقرار.
وتبقى قدرة أي رؤية سياسية على تحقيق أهدافها مرتبطة بمدى إمكانية بناء توافق واسع بين القوى السودانية المختلفة، وتهيئة الظروف الأمنية والسياسية اللازمة لتنفيذها، خصوصًا في ظل استمرار تداعيات الحرب وتعقيدات المشهد الداخلي والإقليمي.
وفي نهاية المطاف، يضع المؤتمر الوطني تصورًا يقوم على الانتقال من مرحلة الحرب والأزمات إلى مرحلة إعادة بناء الدولة، عبر حكومة مدنية، وحوار شامل، وإعادة إعمار، ونظام ديمقراطي ولا مركزي، وصولًا إلى انتخابات حرة ونزيهة يمكن من خلالها تحديد شكل الحكم واختيار المؤسسات المنتخبة بإرادة المواطنين.













