اخبار

هل يستطيع د عبدالله حمدوك من خلال فكره السياسي والاقتصادي وقف الحرب وبناء دولة عادلة تسع الجمبع ؟

متابعات _ السودان الان بلس

هل يستطيع د عبدالله حمدوك من خلال فكره السياسي والاقتصادي وقف الحرب وبناء دولة عادلة تسع الجمبع ؟

متابعات _ السودان الان بلس
د. عبد الله حمدوك يُعد من الشخصيات السودانية القليلة التي تمتلك أفقاً عقلياً واسعاً تشكّل عبر تجربة دولية عميقة في مؤسسات إقليمية وأممية، وتجربة تنفيذية مباشرة في قيادة حكومة انتقالية معقّدة. هذا التكوين جعله يفكّر بمنطق الدولة الحديثة: التخطيط، التوافق، المؤسسات، والابتعاد عن منطق المغالبة. من هذه الزاوية، فإن السؤال عن قدرته على إيقاف الحرب مشروع، لكنه يحتاج إلى إجابة تتجاوز الإعجاب بالشخص إلى فهم طبيعة الصراع نفسه.
الحرب في السودان ليست أزمة سوء إدارة أو غياب رؤية اقتصادية، بل هي صراع عارٍ على السلطة والسلاح والنفوذ، تقوده قوى عسكرية تمتلك أدوات القتل والتمويل وتتحرك خارج منطق الدولة. في مثل هذا السياق، لا يكون العقل وحده أداة حسم، ولا تكفي النوايا الحسنة ولا الخطاب المدني المتزن لإيقاف المدافع. حمدوك، بطبيعته وخبرته، رجل حلول سياسية وتوافقات، لا رجل صدام أو فرض بالقوة، وهذه ليست نقطة ضعف أخلاقية بقدر ما هي توصيف واقعي لدوره الممكن.
تجربته السابقة في رئاسة الوزراء أظهرت بوضوح أنه كان قادراً على إدارة الملفات الاقتصادية الخارجية، وإعادة السودان إلى المجتمع الدولي، وبناء علاقات ثقة مع المؤسسات المالية والدول المؤثرة. لكنها أظهرت أيضاً أنه كان يعمل في دولة منزوعة المخالب، بلا سيطرة حقيقية على القوات المسلحة ولا على الاقتصاد الأمني ولا على مراكز القرار الفعلية. لم يسقط لأنه فشل فكرياً، بل لأنه اصطدم بجدار السلطة الصلبة التي لا تؤمن بالانتقال ولا بالشراكة الحقيقية.
اليوم، المشهد أكثر تعقيداً وقسوة. الحرب دمّرت ما تبقى من الدولة، ووسّعت دائرة العنف، وعمّقت الشروخ الاجتماعية، وفتحت الأبواب لتدخلات إقليمية متشابكة المصالح. في هذا الواقع، لا يمكن لأي شخصية مدنية، مهما بلغت حكمتها، أن توقف الحرب منفردة. وقف الحرب يحتاج إلى توازن قوة جديد، وضغط داخلي منظم، وإرادة إقليمية ودولية حاسمة، قبل أن يحتاج إلى وسيط عاقل.
مع ذلك، لا يعني هذا أن حمدوك خارج المعادلة. على العكس، هو من القلائل القادرين على لعب دور محوري في ما قبل السلام وما بعده. يستطيع أن يساهم في إعادة بناء جبهة مدنية عقلانية، وصياغة مشروع وطني واضح، والتحدث بلغة يفهمها العالم ويثق بها، ووضع تصور عملي لإعادة الإعمار وإصلاح الاقتصاد وتفكيك دولة الحرب. لكنه لا يستطيع، بمفرده أو بخطاب أخلاقي فقط، أن يُجبر أطرافاً مسلحة على إلقاء السلاح.
الخلاصة أن د. عبد الله حمدوك ليس رجل لحظة السلاح، بل رجل لحظة الدولة. نجاحه في وقف الحرب مرهون بوجود قوة سياسية مدنية موحدة تسنده، وبضغط حقيقي على أطراف القتال، وبإرادة إقليمية لا تكتفي بإدارة الأزمة بل تسعى لإنهائها. من دون ذلك، سيظل حمدوك عقلاً كبيراً في ساحة تحكمها البنادق، ودوره سيبقى ضرورياً لكنه غير كافٍ.
السودان، في جوهر أزمته، لا يعاني من نقص في العقول ولا في الرؤى، بل من غياب القوة التي تحمي هذه العقول وتحوّل الرؤية إلى واقع. وفي هذه المفارقة المؤلمة، يتحدد موقع حمدوك وحدود قدرته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى