المشير جعفر محمد نميري… ما له في السلطة وما بعده في الذاكرة السودانية
متابعات_ السودان الان بلس

المشير جعفر محمد نميري… ما له في السلطة وما بعده في الذاكرة السودانية
متابعات _ السودان الان بلس
جعفر محمد نميري ليس مجرد اسم في سجل الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم السودان، بل هو مرحلة كاملة لها ما بعدها، وما زالت آثارها ممتدة في السياسة والمجتمع والوعي الجمعي حتى اليوم. الحديث عن نميري هو حديث عن الدولة السودانية وهي تبحث عن نفسها بين الثورة والانقلاب، بين المدنية والعسكرية، وبين الحلم والصدمة.
وصل نميري إلى السلطة في 25 مايو 1969 بانقلاب عسكري رفع شعارات ثورية جذبت قطاعات واسعة من الشارع السوداني، خاصة الشباب والعمال والمثقفين. في بداياته، بدا وكأنه قائد يريد القطع مع الماضي الطائفي والهيمنة الحزبية، فتبنى خطاب العدالة الاجتماعية، وأعلن الانحياز للفقراء، وفتح الباب أمام اليسار والقوميين العرب للمشاركة في السلطة. تلك المرحلة منحت حكمه شرعية شعبية نسبية، لكنها في الوقت نفسه وضعت بذور الصدام مع قوى سياسية ومجتمعية واسعة.
أحد أهم إنجازات نميري التي لا يمكن تجاوزها هو اتفاقية أديس أبابا 1972، التي أنهت الحرب الأهلية الأولى في جنوب السودان ومنحت الإقليم حكمًا ذاتيًا. هذه الاتفاقية أدخلت البلاد في عقد من السلام والاستقرار النسبي، وأثبتت أن الحل السياسي كان ممكنًا. لكن إلغاء الاتفاقية لاحقًا لم يكن مجرد خطأ سياسي، بل كان قرارًا أعاد البلاد إلى مربع الحرب، وأسّس لانفجار أكبر وأكثر تعقيدًا في الجنوب، ما يجعل نميري مسؤولًا عن السلام والحرب معًا.
سياسيًا، تميّز نميري بقدرته على تغيير تحالفاته بصورة جذرية. انتقل من معاداة الغرب إلى التحالف معه، ومن العداء للإسلاميين إلى احتضانهم، ومن تبني الاشتراكية إلى اقتصاد السوق. هذه التحولات لم تكن دائمًا نابعة من مراجعات فكرية، بل كثيرًا ما جاءت بدافع تثبيت السلطة ومواجهة الخصوم. وبهذا، ساهم في ترسيخ نموذج الحكم الذي يقوم على الشخص لا على المؤسسات، وهو نموذج ورثته الأنظمة اللاحقة.
أما قوانين سبتمبر 1983، فهي من أكثر قرارات نميري إثارة للجدل. فقد أعادت تعريف العلاقة بين الدين والدولة، وفرضت الشريعة الإسلامية بصورة فوقية وفي سياق سياسي مأزوم. هذه القوانين أحدثت شرخًا عميقًا في المجتمع، خاصة في الجنوب، وأضعفت فكرة المواطنة المتساوية، وكانت أحد الأسباب المباشرة في تجدد الحرب الأهلية وسقوط نظامه لاحقًا. وما زال الجدل حول الدين والدولة في السودان يحمل بصمات تلك المرحلة.
اقتصاديًا، شهد عهد نميري تقلبات حادة. عرف السودان في بعض فتراته مشاريع تنموية طموحة، لكنه دخل أيضًا في أزمات خانقة بسبب سوء الإدارة، والديون الخارجية، والجفاف، والاعتماد على الدعم الخارجي. هذه الأزمات عمّقت معاناة المواطن، ووسّعت الفجوة بين الخطاب الثوري والواقع المعيشي، ما أدى في النهاية إلى تآكل شرعية النظام.
سقط نميري في انتفاضة أبريل 1985، وهو خارج البلاد، في مشهد يؤكد أن الشارع السوداني قادر على إسقاط الحكم مهما طال عمره. لكن سقوطه لم يكن نهاية “النميرية” كفكرة؛ إذ بقيت كثير من أدواتها حاضرة: عسكرة السياسة، ضعف الأحزاب، مركزية القرار، واستخدام الدين أو الأيديولوجيا كوسيلة للحكم.
لهذا، فإن القول إن جعفر نميري “رجل له ما بعده” هو توصيف دقيق. فقد صنع مرحلة لا يمكن القفز فوقها، وترك إرثًا مركبًا يجمع بين الإنجاز والخطأ، بين الوطنية والاستبداد. فهم نميري ليس دفاعًا عنه ولا إدانة مطلقة له، بل محاولة لفهم السودان نفسه: لماذا تتكرر الأزمات؟ ولماذا يبدو التاريخ وكأنه يعيد إنتاج ذاته؟
نميري رحل، لكن أسئلته ما زالت مفتوحة.













