عودة المؤتمر الوطني إلى الواجهة السياسية … هل تمهّد لوقف الحرب أم تعيد إنتاج الأزمة في السودان؟
متابعات _ السودان الان بلس

عودة المؤتمر الوطني إلى الواجهة السياسية …
هل تمهّد لوقف الحرب أم تعيد إنتاج الأزمة في السودان؟
متابعات _ السودان الان بلس
الحديث عن عودة المؤتمر الوطني إلى الواجهة السياسية في السودان لا يمكن فصله عن طبيعة الحرب نفسها ولا عن السياق الذي سبقها وأنتجها. فالحرب الحالية لم تنشأ فقط نتيجة صراع عسكري مباشر، بل هي حصيلة تراكم طويل من انهيار الدولة، وتسييس المؤسسة العسكرية، وفشل النخب السياسية – بما فيها المؤتمر الوطني وخصومه – في بناء نظام حكم مستقر بعد سقوط النظام السابق.
المؤتمر الوطني، رغم سقوطه في 2019، لم يختفِ من الواقع السوداني. الحزب ما زال يمتلك حضورًا اجتماعيًا وتنظيميًا في قطاعات من المجتمع، خاصة في الولايات، كما أن كوادره تمتلك خبرة طويلة في إدارة أجهزة الدولة. هذا الواقع يجعل فكرة “انتهائه الكامل” غير دقيقة. في المقابل، فإن الحزب فقد شرعيته السياسية والأخلاقية في نظر قطاعات واسعة من الشعب، خصوصًا الشباب الذين يرونه المسؤول الأول عن إضعاف مؤسسات الدولة وفتح الطريق أمام الانقلابات والحرب.
من حيث المبدأ، لا يمكن القول إن عودة المؤتمر الوطني بحد ذاتها قادرة على إيقاف الحرب. الحرب تُدار اليوم بقوة السلاح، وتغذّيها حسابات إقليمية ودولية، واستقطاب داخلي حاد. أي حزب سياسي، مهما كان وزنه، لا يستطيع وحده إيقافها. بل إن عودة المؤتمر الوطني بشكل مباشر ودون مراجعات حقيقية قد تؤدي إلى نتيجة عكسية، إذ ستُعيد إنتاج خطاب الاستقطاب القديم، وتمنح أطرافًا عسكرية مبررات إضافية للاستمرار في القتال تحت شعارات حماية الدولة أو منع عودة النظام السابق.
مع ذلك، من الناحية النظرية، يمكن لبعض عناصر المؤتمر الوطني أن يكون لها تأثير إيجابي محدود إذا تغيّر الدور وتغيّرت الأهداف. التأثير الإيجابي لا يكون عبر محاولة استعادة السلطة أو الظهور كقائد للمشهد السياسي، بل عبر قبول قواعد جديدة للعمل السياسي، والاعتراف بالأخطاء التاريخية، والابتعاد الكامل عن أي صلة بالسلاح أو التحريض عليه. في هذه الحالة فقط يمكن الحديث عن مساهمة في تهدئة المجتمع، أو دعم مبادرات المصالحة، أو الاستفادة من الخبرات الإدارية في إعادة تشغيل مؤسسات الدولة المنهارة.
الخطر الحقيقي في عودة المؤتمر الوطني لا يكمن في وجوده كتيار سياسي، بل في عودته بذات العقلية القديمة التي تقوم على الهيمنة والإقصاء واحتكار الحقيقة. هذه العقلية هي أحد الجذور العميقة للأزمة السودانية، وإعادتها إلى الواجهة لن تُوقف الحرب، بل ستنقلها من الميدان العسكري إلى صراع سياسي واجتماعي مفتوح، يزيد من تفكك النسيج الوطني ويُضعف فرص أي انتقال مدني حقيقي.
كما أن اختزال الأزمة السودانية في المؤتمر الوطني وحده يُعد تبسيطًا مخلًا. فإقصاؤه بعد الثورة لم يمنع الانقلاب، ولم يمنع الحرب، ما يعني أن المشكلة أوسع وأعمق، وتتعلق ببنية الدولة نفسها وبسلوك النخب كافة. لذلك فإن الحل الواقعي لا يكون بإعادة حزب بعينه إلى السلطة ولا بإلغائه بالكامل، بل بإعادة تعريف السياسة على أسس جديدة تمنع عسكرة الخلافات وتُخضع الجميع لقواعد واضحة.
في المحصلة، عودة المؤتمر الوطني إلى الواجهة السياسية ليست حلًا سحريًا لإيقاف الحرب، وقد تتحول إلى عامل تأزيم إذا لم تُضبط بشروط صارمة. أقصى ما يمكن أن يقدمه، إذا أحسن قراءة الواقع، هو دور ثانوي في إطار تسوية وطنية أوسع تهدف أولًا إلى وقف الحرب، ثم إلى إعادة بناء الدولة على أسس مختلفة عمّا كان قبل 2019. الحرب في السودان لن تتوقف بعودة الماضي ولا بمحوه، بل بتعلّم دروسه وبناء مسار جديد لا يسمح بتكراره.













