اخبار

أسد أفريقيا الأصلي

متابعات _ السودان بلس

أسد أفريقيا الأصلي

متابعات _ السودان بلس
يظل عمر حسن أحمد البشير واحداً من أكثر الشخصيات تأثيراً وإثارةً للجدل في تاريخ السودان الحديث، إذ حكم البلاد لثلاثة عقود كاملة منذ عام 1989 وحتى سقوط نظامه في أبريل 2019. وخلال تلك السنوات الطويلة، تشكلت حوله صورة سياسية وشعبية معقدة؛ فهناك من اعتبره “أسد أفريقيا” وزعيماً تحدّى الضغوط الخارجية وحافظ على تماسك الدولة في ظروف إقليمية صعبة، بينما يراه آخرون مسؤولاً عن أزمات عميقة أدخلت السودان في دوامات من الحرب والعزلة والانهيار الاقتصادي.

وصل البشير إلى السلطة عبر انقلاب عسكري قاده بالتنسيق مع الجبهة الإسلامية القومية بقيادة حسن الترابي في الثلاثين من يونيو 1989، تحت شعار “ثورة الإنقاذ الوطني”. وفي سنواته الأولى، اتجه النظام الجديد إلى بناء سلطة مركزية قوية ذات طابع إسلامي، مع إعادة تشكيل مؤسسات الدولة والجيش والأمن بصورة واسعة. وقدّم البشير نفسه باعتباره قائداً صلباً لا يخضع للضغوط الدولية، خاصة في ظل التوترات التي شهدتها المنطقة آنذاك.

خلال التسعينيات، واجه السودان عزلة دولية وعقوبات اقتصادية واتهامات بدعم جماعات إسلامية، لكن البشير استطاع رغم ذلك الحفاظ على تماسك السلطة داخلياً عبر تحالفات قبلية وعسكرية وسياسية معقدة. وفي تلك الفترة، بدأت صورته لدى مؤيديه تتشكل كرجل “يتحدى العالم”، وهو ما أسهم لاحقاً في إطلاق أوصاف مثل “أسد أفريقيا” عليه، خاصة بعد مواقفه الحادة تجاه الغرب وبعض القوى الإقليمية.

ومن أبرز المحطات في عهده توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005 مع الحركة الشعبية بقيادة جون قرنق، والتي أنهت أطول حرب أهلية في أفريقيا آنذاك. غير أن الاتفاق قاد لاحقاً إلى انفصال جنوب السودان عام 2011، وهو الحدث الذي اعتبره كثيرون ضربة قاسية لوحدة البلاد، بينما رأى آخرون أن الانفصال كان نتيجة تراكمات تاريخية معقدة سبقت حكم البشير نفسه.

كما ارتبط اسمه بحرب دارفور التي اندلعت عام 2003، والتي تحولت إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم. وفي عام 2009 أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحقه بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ثم أتبعتها بتهمة الإبادة الجماعية. ومع ذلك واصل البشير تحركاته الخارجية وزياراته لبعض الدول الأفريقية والعربية، مقدماً نفسه كزعيم لم يخضع للضغوط الدولية، وهو ما عزز صورته لدى أنصاره باعتباره “الرئيس الذي واجه العالم”.

اقتصادياً، شهد السودان في بدايات الألفية تحسناً نسبياً بعد تصدير النفط، وظهرت مشاريع بنية تحتية وطرق وكباري وتوسع عمراني ملحوظ في العاصمة الخرطوم. لكن هذا التحسن لم يستمر طويلاً، إذ دخلت البلاد في أزمات اقتصادية حادة بعد انفصال الجنوب وفقدان معظم عائدات النفط، وارتفعت معدلات التضخم وتدهورت قيمة العملة، ما أدى إلى اتساع حالة الغضب الشعبي.

وفي السنوات الأخيرة من حكمه، تصاعدت الاحتجاجات الشعبية بصورة غير مسبوقة، خاصة مع تردي الأوضاع المعيشية وارتفاع أسعار الخبز والوقود. وفي ديسمبر 2018 اندلعت احتجاجات واسعة تحولت إلى ثورة شعبية انتهت في أبريل 2019 بعزل البشير بواسطة الجيش بعد اعتصام ضخم أمام القيادة العامة للقوات المسلحة.

ورغم سقوطه، لا يزال اسم عمر البشير حاضراً بقوة في المشهد السوداني. فهناك قطاع من السودانيين يرى أن فترة حكمه، رغم أخطائها، كانت أكثر استقراراً من الفوضى التي أعقبت سقوط النظام، ويعتقدون أنه كان يمتلك شخصية قوية وهيبة سياسية جعلته لاعباً مؤثراً في أفريقيا والمنطقة العربية. وفي المقابل، يرى معارضوه أن السودان دفع ثمناً باهظاً بسبب سياساته، وأن تراكم الأزمات والانقسامات والحروب خلال عهده كان من الأسباب الرئيسية لما تعيشه البلاد اليوم.

لهذا، فإن وصف “أسد أفريقيا” بالنسبة للبعض يعكس صورة الزعيم الصلب الذي واجه الضغوط الخارجية واحتفظ بسلطته لسنوات طويلة، بينما يعتبره آخرون مجرد لقب سياسي مرتبط بالدعاية والولاء، وليس تقييماً موضوعياً لتجربته في الحكم. ويبقى إرث عمر البشير من أكثر الملفات السودانية إثارة للنقاش والانقسام حتى اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى