
15 باخرة جعلت السودان ملِكًا للبحار على افريقيا والشرق الأوسط
متابعات _ السودان الان بلس
كانت الخطوط البحرية السودانية، المعروفة باسم “سودانلاين”، في وقت من الأوقات رمزاً للحضور البحري السوداني في الموانئ العالمية. فمن موانئ البحر الأحمر إلى أوروبا وأمريكا، ظلت بواخرها تبحر لسنوات طويلة باعتبارها الناقل البحري الوطني وأحد أكبر الأساطيل التجارية في أفريقيا والشرق الأوسط، قبل أن يختفي هذا الأسطول بالكامل بحلول عام 2017، تاركاً وراءه تساؤلات واسعة حول أسباب انهياره.
تعود بداية تكوين الأسطول البحري السوداني إلى عام 1963 في عهد الرئيس الأسبق الفريق إبراهيم عبود، عندما امتلكت الشركة باخرتي “سنار” و“أركويت”، في خطوة شكلت الانطلاقة الأولى لبناء أسطول وطني للنقل البحري يربط السودان بالأسواق العالمية. وخلال الفترة بين عامي 1964 و1980 توسع الأسطول بصورة ملحوظة، حيث أضيفت بواخر الجزيرة عام 1964 وكردفان عام 1966، ثم مريدي وشندي في عام 1970، تلتها نيالا في عام 1974 وأم درمان في عام 1979.
وفي نهاية سبعينات القرن الماضي انضم إلى الأسطول ست بواخر جديدة دفعة واحدة هي دنقلا والأبيض ودارفور والقضارف والخرطوم ومروي. كما تلقى السودان عام 1980 هدية من ملك الدنمارك تمثلت في الباخرتين النيل الأبيض والنيل الأزرق، ليصل عدد سفن الأسطول إلى نحو 15 باخرة مخصصة لنقل الركاب والبضائع، وهو رقم وضع الخطوط البحرية السودانية آنذاك ضمن أكبر شركات النقل البحري في المنطقة.
لم يكن نشاط الشركة مقتصراً على الموانئ القريبة، إذ كانت بواخرها تعمل على خط شمال أوروبا الذي يمر بعدد من الموانئ في البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، ثم المغرب وليبيا وصولاً إلى موانئ شمال أوروبا، وأحياناً إلى الموانئ الأمريكية. وكانت الرحلة البحرية الواحدة تستغرق نحو شهرين، فيما تشير تقديرات إلى أن بعض الرحلات كانت تحقق عائداً يصل إلى نحو 30 مليون دولار للباخرة الواحدة.
وتفاوتت طاقة الاستيعاب بحسب نوع السفينة، حيث صممت بعض البواخر لنقل ما يصل إلى 1500 راكب إضافة إلى نحو 3500 طن من البضائع وحوالي 500 سيارة. وتشير بيانات إلى أن عدد الركاب الذين استخدموا هذه البواخر عبر ميناء بورتسودان بلغ نحو 36 ألف راكب سنوياً، بينما وصل حجم البضائع المنقولة إلى قرابة 569 ألف طن سنوياً.
وفي ذروة نشاطها كانت الشركة توظف نحو 17,800 عامل من قباطنة ومهندسين بحريين وبحارة وموظفين وعمال، كما تشير بعض المصادر إلى أن فائض العمالة في تلك الفترة بلغ نحو 10,200 موظف. وعلى الرغم من ذلك ظلت الشركة تحقق عوائد مالية معتبرة لسنوات طويلة، وأسهمت في تدريب كوادر بحرية سودانية عملت لاحقاً في شركات الملاحة الدولية.
ولم يقتصر دور الخطوط البحرية السودانية على النشاط التجاري فحسب، بل أدت أيضاً أدواراً إقليمية مهمة في أوقات الأزمات. فقد كانت الباخرة “شندي” أول سفينة تعبر قناة السويس بعد إعادة افتتاحها في عهد الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، تلتها الباخرة “سنار”، في خطوة رمزية لكسر الحصار الذي كان مفروضاً على الدول العربية آنذاك.
كما استخدمت بواخر الشركة في عمليات إجلاء السودانيين من مناطق النزاعات، مثل حرب الخليج، حيث جرى نقل المواطنين مع ممتلكاتهم وسياراتهم إلى السودان، وتكرر الأمر خلال الحرب في اليمن.
غير أن بداية التسعينات شهدت بداية التراجع التدريجي للأسطول البحري السوداني. وتشير إفادات مسؤولين وخبراء إلى أن عدة عوامل ساهمت في هذا التدهور، من بينها ضعف الإدارة والتدخلات السياسية إلى جانب التحديات الاقتصادية. وكان عضو مجلس السيادة الفريق مهندس إبراهيم جابر قد أشار في تصريحات سابقة إلى أن انهيار الشركة ارتبط بتدخلات إدارية وأمنية أدت إلى هجرة العديد من كوادرها المؤهلة إلى الخارج.
وبحلول عام 2017 أصبح السودان، الذي كان يمتلك أحد أكبر الأساطيل البحرية التجارية في المنطقة، بلا باخرة واحدة. ومع اختفاء الأسطول تراجعت أيضاً أصول الشركة، ولم يتبق منها سوى عدد محدود من المباني، بينما كانت بعض الممتلكات على وشك البيع قبل أن توقف التطورات السياسية التي شهدتها البلاد تلك الإجراءات.
وتبقى قصة الخطوط البحرية السودانية مثالاً واضحاً على تحول مؤسسة وطنية كبرى من مرحلة الازدهار إلى الغياب الكامل، في وقت تتجدد فيه الدعوات لإحياء الناقل البحري الوطني وإعادة بناء أسطول جديد يعيد السودان إلى خريطة الملاحة الدولية.
نقلاً عن أصداء سودانية.













