
عبد الرحمن سوار الذهب… رجل الدولة الذي كتب اسمه بموقف لا يُنسى
متابعات _ السودان الان بلس
يُعدّ عبد الرحمن سوار الذهب – الذي يُشار إليه أحياناً باسم محمد سوار الذهب – واحداً من أبرز الشخصيات العسكرية والسياسية في تاريخ السودان الحديث، وقد ارتبط اسمه بمرحلة مفصلية شكّلت تحولاً عميقاً في مسار الدولة السودانية.
النشأة والمسيرة العسكرية
وُلد سوار الذهب عام 1934 في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، ونشأ في بيئة محافظة اتسمت بالقيم الدينية والانضباط الاجتماعي. التحق مبكراً بالكلية الحربية السودانية، وتدرّج في الرتب العسكرية حتى أصبح من كبار قادة الجيش، عُرف بالهدوء والصرامة المهنية، وبعلاقاته المتوازنة داخل المؤسسة العسكرية.
خلال سنوات خدمته، اكتسب سمعة الضابط المنضبط الذي يقدّم مصلحة المؤسسة على الاعتبارات الشخصية، وهو ما هيأه للعب دور محوري في لحظة سياسية شديدة الحساسية.
انتفاضة أبريل 1985… لحظة الاختبار
في أبريل 1985، اندلعت احتجاجات شعبية واسعة ضد نظام الرئيس الأسبق جعفر نميري، نتيجة أزمات اقتصادية وسياسية متراكمة. ومع تصاعد الحراك، تدخل الجيش وأعلن انحيازه للشعب، وتسلّم سوار الذهب رئاسة المجلس العسكري الانتقالي.
في ذلك الوقت، تعهّد بإدارة فترة انتقالية لا تتجاوز عاماً واحداً، يتم خلالها تهيئة البلاد لانتخابات حرة ونزيهة تعيد الحكم إلى المدنيين.
الوفاء بالتعهد… سابقة في الإقليم
ما جعل سوار الذهب شخصية استثنائية في نظر كثيرين هو التزامه الصارم بوعده. فقد أُجريت الانتخابات العامة في عام 1986، وأسفرت عن تشكيل حكومة مدنية برئاسة الصادق المهدي. وبالفعل، سلّم سوار الذهب السلطة طوعاً، وغادر القصر الجمهوري دون محاولة للبقاء في الحكم.
هذا الموقف اعتُبر سابقة نادرة في المنطقة، حيث غالباً ما تتحول الفترات الانتقالية العسكرية إلى أنظمة ممتدة. لذلك ارتبط اسمه بفكرة “العسكري الذي سلّم السلطة”، وهي صورة بقيت راسخة في الذاكرة السودانية.
ما بعد السلطة… العمل الدعوي والإنساني
بعد خروجه من الحكم، ابتعد سوار الذهب عن العمل السياسي المباشر، واتجه إلى النشاط الإسلامي والخيري، حيث تولّى رئاسة منظمة الدعوة الإسلامية. ومن خلال هذا المنبر، شارك في مشاريع تعليمية وإغاثية في عدد من الدول الإفريقية والآسيوية.
تميّزت هذه المرحلة بالتركيز على العمل المجتمعي، بعيداً عن الأضواء السياسية، مما عزّز صورته كرجل زاهد في المناصب.
بين الإشادة والنقد
رغم الإشادة الواسعة بموقفه في تسليم السلطة، فإن بعض المحللين يرون أن المرحلة الانتقالية التي قادها لم تُحدث إصلاحات هيكلية عميقة داخل الدولة أو المؤسسة العسكرية، وأن السودان ظل يعاني من أزمات سياسية متكررة لاحقاً.
ومع ذلك، يبقى اسمه مرتبطاً بقيمة الالتزام بالكلمة والابتعاد عن التشبث بالسلطة، وهي خصال نادرة في سياقات سياسية مشابهة.
إرث في الذاكرة الوطنية
رحل سوار الذهب عام 2018، لكن سيرته ما زالت حاضرة في النقاشات السياسية السودانية كلما طُرحت مسألة الانتقال المدني العسكري. ويُستدعى اسمه بوصفه نموذجاً لرجل دولة التزم بوعده، وفضّل أن يُذكر بموقف تاريخي واحد واضح، على أن يُذكر بصراع طويل على الحكم.
وهكذا، يبقى عبد الرحمن سوار الذهب في نظر كثيرين “الرجل القامة” الذي صدق في قوله عندما تعهّد بتسليم السلطة… ووفّى.












