عسكرة الجامعات السودانية تثير القلق… تصريحات الوزير تشعل الجدل حول تجنيد الطلاب
متابعات السودان بلس

عسكرة الجامعات السودانية تثير القلق… تصريحات الوزير تشعل الجدل حول تجنيد الطلاب
متابعات السودان بلس
في بلد أنهكته الحرب ودفعت مؤسساته إلى حافة الانهيار، جاءت تصريحات وزير التعليم العالي في السودان، أحمد مضوي، حول مشاركة ثلاثة آلاف من طلاب الجامعات في القتال، لتكشف عن تحول مقلق في العلاقة بين الدولة والتعليم، وتثير مخاوف واسعة من انزلاق العملية التعليمية نحو مسار يربط المعرفة بالسلاح، ويعيد إنتاج ثقافة الحرب داخل مؤسسات يفترض أن تكون ملاذًا للعلم وبناء المستقبل. فالإشارة الرسمية إلى مشاركة هذا العدد من الطلاب في القتال لا تبدو مجرد معلومة عابرة، بل تعكس مناخًا سياسيًا واجتماعيًا يتسع فيه حضور العنف على حساب التعليم، ويصبح فيه الشباب أكثر عرضة للاستقطاب في ظل غياب البدائل.
وتأتي هذه التصريحات بعد أسابيع من تهديد مسؤول كبير في وزارة التعليم بالاستعانة بمجموعات مسلحة — بعضها مصنف دوليًا كجماعات إرهابية — للتدريس في المدارس، ردًا على مطالب المعلمين بتحسين أوضاعهم المعيشية. وقد أثار هذا التهديد صدمة واسعة، ليس فقط لأنه يربط التعليم بقوة السلاح، بل لأنه يكشف عن هشاشة غير مسبوقة في قدرة الدولة على حماية العملية التعليمية من الانهيار، في وقت يعيش فيه المعلمون وأساتذة الجامعات أوضاعًا معيشية قاسية، بينما ارتفع راتب الجندي إلى عشرة أضعاف راتب المعلم.
ويرى مراقبون أن ربط التعليم بالحرب يمثل انحرافًا خطيرًا في دور الدولة، إذ يتحول الطالب من متلقٍ للمعرفة إلى عنصر محتمل في جبهات القتال. ويقول الوزير الأسبق مهدي داؤد الخليفة إن “الزج بالطلاب في الحرب يشير إلى تحول خطير في دور الدولة، من مؤسسة لحماية الشباب إلى جهة تدفعهم نحو الموت”، مضيفًا أن انهيار الدولة يجعل الشباب أكثر عرضة للاستغلال باسم الوطنية والشعارات الكبرى، خصوصًا حين تغيب البدائل التعليمية والاقتصادية.
وتكشف هذه المخاوف عن سياق أوسع يمتد إلى عقود مضت، إذ ظل تنظيم الإخوان منذ تسعينيات القرن الماضي يسعى للتأثير على العملية التعليمية عبر شبكة فكرية وتنظيمية معقدة، عملت على اختراق المدارس والجامعات، والسيطرة على اتحادات الطلاب، وتحويل المؤسسات التعليمية إلى منصات للتجنيد السياسي. ومع اندلاع الحرب الحالية، يبدو أن هذا الإرث يجد طريقه إلى الواجهة من جديد، لكن في ظروف أكثر هشاشة، حيث تتراجع قدرة الدولة على حماية التعليم من التسييس والعسكرة.
وفي حديثه عن مشاركة الطلاب في القتال، قال وزير التعليم العالي إن من بين المشاركين “شهداء ومصابين وأسرى”، في لغة تعكس تطبيعًا متزايدًا لفكرة مشاركة الطلاب في الحرب. لكن الخليفة يرى أن الجامعات ليست ساحات للقتال، بل مؤسسات لإنتاج المعرفة وصناعة المستقبل، محذرًا من أن التعامل مع الطلاب باعتبارهم “احتياطًا بشريًا للحرب” يهدد بفراغ خطير في القوى البشرية التي يحتاجها السودان لإعادة البناء.
وتعزز تصريحات الوزير الاتهامات المتزايدة بوجود نهج منسق لنشر ثقافة الحرب داخل المؤسسات التعليمية. ففي أبريل الماضي، هدد وزير التربية بولاية الجزيرة المعلمين بالاستعانة بعناصر من كتائب البراء وقوات درع السودان — وهما مجموعتان خاضعتان لعقوبات دولية — للتدريس بدلًا عنهم. ويقول الخبير التربوي حسن عبد الرضي إن “الزج بمجموعات مسلحة في فصول التعليم يمثل سابقة خطيرة تنذر بتحويل المدارس إلى ساحات نفوذ أمني، وتقوض ما تبقى من مدنية العملية التعليمية”.
ويضيف عبد الرضي أن مثل هذه السياسات ستؤدي إلى مزيد من الانهيار في النظام التعليمي، في بلد يعاني أصلًا من تداعيات الحرب والانهيار الاقتصادي، حيث يواجه ملايين الطلاب صعوبات كبيرة في تلقي العلم، وسط تدهور مروع في بيئة الجامعات والمدارس، وانقطاع العملية التعليمية في مناطق واسعة من البلاد.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو تصريحات المسؤولين في قطاع التعليم جزءًا من خطاب أوسع يعكس تراجع مكانة التعليم في سلم أولويات الدولة، وتزايد حضور منطق الحرب في مؤسسات يفترض أن تكون بعيدة عن الصراع. ومع استمرار الحرب للعام الثالث، تتسع الفجوة بين ما يحتاجه الطلاب من حماية وفرص تعليمية، وما تفرضه الظروف من عسكرة متزايدة للحياة العامة.
وفي النهاية، تكشف أزمة “عسكرة التعليم” عن خطر يتجاوز حدود الجامعات والمدارس، ليصل إلى جوهر مستقبل السودان نفسه. فبلد يفقد طلابه لصالح الحرب يفقد في الوقت ذاته قدرته على إعادة البناء، ويخاطر بتحويل جيل كامل إلى ضحية لصراع لا يبدو أن نهايته قريبة













